ميرزا محمد حسن الآشتياني
99
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
كل واحد من المشتبهين متعلّق بوجوب ظاهري لا دخل له بالوجوب المتعلق بالآخر وإن كان حاصلا بأمر واحد وإن هو إلا كالأمر المتعلق بالعام الأصولي ينحل إلى أوامر متعدّدة بعدد أفراد العام بل اللازم على هذا القول بناء على ثبوت العقاب على التجرّي القول بضعف العقاب الذي ذكرنا وإن لم يلتزم القائل به على ما عرفت الكلام فيه في محلّه ضرورة تعدّد التجرّي بمخالفة الأوامر الواقعي والظاهري فيلزم أن يضاعف الاستحقاق لأن المفروض أن التجري على مذهب قائله عنوان مورث لاستحقاق العقاب مستقلا ولذا أورد الأستاذ العلامة عليه فيما عرفته في مسألة التجري حيث ذهب إلى تداخل العقابين عند مصادفة التجري للحرام الواقعي بأنه لا معنى لتداخل العقابين إن أريد وحدة العقاب بعد فرض كون كل من العنوانين علة للعقاب كما نقول على القول بتأثير الحكم الظاهري في استحقاق العقاب أنه لا معنى لوحدة العقاب في صورة مصادفة ارتكاب المشتبه للحرام الواقعي بعد فرض كون كل من مخالفة للحكم الواقعي والظاهري علة تامّة لاستحقاق العقاب وإلا لم يقتض مخالفة الأمر الظاهري لاستحقاق العقاب عند عدم المصادفة أيضا والقول بأن اقتضاءها العقاب مشروط بعدم المصادفة مما لا وجه له وإلا لزم القول به في التجري أيضا ولكن لا يخفى عليك أنه يمكن أن يوجّه القول بالاشتراط المذكور مع بيان الفارق بين الحكم الظاهري والتجرّي بأنه وإن قلنا باستحقاق العقاب على مخالفة الطلب الظاهري إلا أنه لا يخفى على أحد أن الحكم الظاهري فيما كان المقصود من جعله إدراك الواقع ليس في عرض الواقع حتى تكون له اقتضاء مستقل عند مصادفة له فهو طريق إليه فلا أثر له عند المصادفة وهذا بخلاف التجري فإنه لا وجه للطريقيّة فيه أصلا بل هو عنوان مستقل ليس فيه شائبة المرآتية أصلا بل لا يعقل فيه ذلك جزما فتأمل [ في كيفيّة حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدّنيوي والأخروي ] ( قوله ) ومن هنا ظهر أنه لا فرق إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أنه دام ظله عنى بذلك الكلام الردّ على من زعم الفرق بينهما وقال إن حكم العقل بوجوب الاحتياط وإن لم يقتض العقاب على مخالفته من حيث كونه إرشاديّا إلا أن حكم الشارع به يقتضيه لا محالة من حيث كونه حكما ظاهريّا يقتضي بحكم العقل العقاب على مخالفته ( قوله ) وأما حكمهم بوجوب دفع الضرر المظنون شرعا إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) كما يظهر من حكمهم بالإتمام في السفر المظنون الحظر من حيث كونه معصية على ما استظهره شيخنا الأستاذ العلامة من الأصحاب فيما تقدم من كلامه في الجزء الأوّل من الكتاب ثمّ إن ما أفاده كأنه دفع لما يتوجّه على ما أفاده من أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر حتى مع القطع حكم إرشادي لا يؤثر مخالفته في استحقاق العقوبة فإنّه إذا كان الأمر بالنسبة إلى الضرر المقطوع كذلك ولو كان ضررا أخرويّا من حيث إن المناط هو التضرر من غير فرق بين الضررين كان حكمه بالنسبة إلى الضرر المظنون كذلك بطريق أولى إذ الظن لا يزيد على القطع مع أن ظاهرهم في باب الظن بالضرر خلاف ذلك وحاصل ما أفاده في المقتضي والفرق هو ما أفاده مرارا في كلماته السابقة من أن حكم العقل بدفع الضرر الدنيوي كحكمه بدفع الضرر الأخروي وإن كان إرشاديّا على ما هو الشأن في جميع أحكامه كما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة إلا أن الأول مستتبع بقاعدة التلازم لحكم شرعيّ مولويّ والثاني لا يعقل فيه ذلك للزوم التسلسل الظاهر هذا مضافا إلى دلالة الأدلة النقليّة على تحريم ارتكاب الضرر الدنيوي مع قطع النظر عن حكم العقل والتقييد بالعلم في قوله لأن ارتكاب الضرر الدنيوي مع العلم حرام ما ليس الغرض منه ما يتراءى منه بظاهره من أخذ العلم في موضوع التحريم بالنسبة إلى الضرر الدنيوي وإلا لم يكن معنى للحكم بقيام الظن مقامه بل الغرض ثبوت التحريم الشرعي في مورد العلم بالضرر من حيث كونه طريقا إليه ذاتا كما هو شأنه بالنسبة إلى جميع ما تعلّق به فإذا كان ارتكاب الضرر الدنيوي حراما شرعا وقام الدليل القاطع على حجيّة الظن المتعلق به وكونه طريقا شرعيّا إليه كسائر الطرق المعتبرة القائمة على الموضوعات والأحكام فيكون وجوب العمل به شرعيّا لا عقليّا إرشاديا وهذا بخلاف الضرر الأخروي فإن وجوب دفعه حتى مع العلم به لا يمكن أن يكون شرعيّا سواء حكم به العقل أو الشرع فإذا ورد حكم من الشارع أو العقل على لزوم دفع محتمله أو مظنونه فلا يمكن أن يكون إلا إرشاديّا وهذا هو الفرق بين الضررين المترتّب عليه الفرق بين الإدراك المتعلق بأحدهما وبين المتعلّق بالآخر ( نعم ) لو قيل بوجوب الاحتياط شرعا من حيث كون تركه موجبا للوقوع في المهلكة لزمه القول بثبوت استحقاق العقاب على مخالفته وإن لم يخالف الواقع على ما عرفت الإشارة إليه فعلى ما أفاده من ثبوت العقاب على مخالفة الأحكام الشرعيّة الواقعية والظاهريّة مطلقا حتى ما تعلّق بالطرق الشرعيّة يلزم أن يكون الظن المعتبر في المقام وغيره أولى من هذه الجهة من العلم حيث إنه لا عقاب على مخالفته من حيث هو وإنما هو فيما صادف الواقع إلا على القول بحرمة التجري وهذا بخلاف الظن المعتبر فإنه يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته من حيث هو وإن لم يصادف الواقع ولم نقل بحرمة التجري كما أنه أولى منه من جهة أخرى أيضا فإن الإجزاء في مورد انكشاف مخالفة الطريق الشرعي للواقع معقول قال به جماعة وهذا بخلاف العلم فإنه لا جعل للشارع بالنسبة إليه أصلا وقد أشرنا إلى ذلك كله في الجزء الأول من التعليقة هذا ولكن لا يخفى عليك أن ما أفاده مبني على القول بثبوت استحقاق العقوبة على مخالفة الطريق المعتبر مطلقا وقد عرفت ما فيه وسيجيء الكلام عليه أوّلا بأنه محلّ منع مطلقا حتى بالنسبة إلى الطرق الشرعيّة الملحوظة في الأمر بسلوكها مصلحة متداركة ولو كان هو تسهيل الأمر على المكلّف لأن الأمر بسلوكه مع هذه الملاحظة أيضا غيري لا يؤثر في استحقاق الذم أصلا ( وثانيا ) أنه على تقدير الإغماض إنما يسلّم فيما لوحظ فيه المصلحة ويكون له جهة موضوعيّة لا فيما لم يلاحظ في الأمر بسلوكه إلا الطريقيّة والإصابة الغالبيّة والكشف والمرآتية المحضة كما هو الشأن في عنوان اعتبار الظنّ عند انسداد باب العلم على المذهبين في تقرير دليله من حيث الحكومة والكشف فإنه على الكشف أيضا إنما يحكم العقل بإيجاب جعل الظنّ على الشارع